السيد كمال الحيدري
102
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
والغيريات ، وبنيّة كفّ الالتفات إلى عمَّا سواه وأدركه الموت فله أجر ما قصده ؛ ولكنَّ الموت في الحركة الحسِّية له مصداق واحد ، وهو الموت الاضطراري الحاصل بانفصال الروح عن الجسد ؛ وأما الموت في الحركة المعنوية فله وجهان بعيدان عن الصورة الحسِّية ، الأوّل هو بلوغ مرتبة اليقين ، لقوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( الحجر : 99 ) ؛ وفقاً لتفسير اليقين بالموت المعنوي الذي لا يحصل إلا بالمعاينة والمشاهدة بعين القلب ، فيُغادر حاكمية عالم المادّة له ، وتنتهي جميع عبودياته المُنتحلة لغير الله تعالى ، ولم يعد الموت الحسّي الظاهري مخيفاً له ، بل ما كان يفرّ منه سلفاً صار طالباً له ، لأنه أصبح عارفاً بحقيقة الموت وما يتضمّنه من لذَّة اللقاء بالمقصود ، بخلاف ما كان عليه قبل موته يُرعبه اسم الموت لأنه كان يعيش في محيطٍ قوامه الوهم ، فيخشى الموت ويفرّ منه ؛ قال تعالى : وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً ( النجم : 28 ) . وأما الوجه الثاني فهو موت الآخر فيه ، فلم يعد حاضراً أمامه سوى الله تعالى ، وهذا الآخر المنتفي في طليعته الأنا ، وذلك بالحضور الدائم في ساحة قُدسه ، حيث تبطل حكاية كلّ موجود عن نفسه ، وتنحصر حكايته به سبحانه ، وهو مقام : وَلِلهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 115 ) ، والمُشار إليه بقول إمام المُوحّدين علي عليه السلام حيث يقول : ( ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده ومعه ) « 1 » ) . فالحركة الآفاقية للنصّ تدعو الإنسان للسير في أصقاع الأرض حيث ما تكون رضاه سبحانه تعالى ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( الملك : 15 ) ، وقوله تعالى : قُلْ
--> ( 1 ) مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية ، للسيد الإمام الخميني : ص 22 . .